top of page

هل يتقادم الحق في صرف قيمة الشيك؟ قراءة عامة في القانون المصري وصورها التطبيقية

قبل يومين
5 دقيقة قراءة

لقول الله U: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: 34]؛ يتجلى الأصل الذي بُنيت عليه فلسفة الأوراق التجارية برمّتها: أنّ الوفاء بالعهد فريضة، غير أنّ المشرع - رعايةً لاستقرار المعاملات - لم يترك زمام المطالبة بهذا الوفاء مفتوحاً إلى ما لا نهاية، بل قيّده بآجال حاسمة، تتفاوت في أثرها بحسب الصفة التي يحملها الشيك في العلاقة بين طرفيه: أداةَ وفاءٍ فورية، أم أداةَ ائتمانٍ مؤجلة، أم ضماناً مصاحباً لالتزام تعاقدي آخر.

أولاً: الطبيعة القانونية للشيك ومبدأ استقلال الالتزام المصرفي

يقوم النظام القانوني للشيك على مبدأ جوهري مؤداه أنّ الشيك: أداة وفاء لا أداة ائتمان، وأنّ الالتزام الناشئ عنه: التزام مصرفي مجرد، منفصل استقلالاً تاماً عن السبب أو الباعث الذي أدى إلى تحريره، أياً كانت الصفة التي أضفاها عليه أطرافه في علاقتهم الداخلية.

ويترتب على هذا الاستقلال أثران جوهريان يحكمان كل صور الشيك:

1.  أنّ ميعاد تقديمه للوفاء يبدأ من التاريخ المدوّن عليه، بصرف النظر عن أي اتفاق داخلي يُعلّق تقديمه على واقعة لاحقة.

2.  أنّ أي شرط يخالف صفته كأداة وفاء واجبة الأداء بمجرد الاطلاع - كتأجيل استحقاقه فعلياً أو تعليقه على شرط - لا ينتج أثره إلا في نطاق العلاقة التي تربط بين محرره والمستفيد منه، ولا يُعتد به في مواجهة القواعد الآمرة المنظمة لميعاد التقديم والتقادم المصرفي.

ثانياً: ميعاد تقديم الشيك للوفاء

نصت المادة رقم: (504/1، 2) من قانون التجارة رقم: 17 لسنة 1999م، بصيغتها المعدلة بالمادة (503/2) بالقانون رقم: 156 لسنة 2004م، على أنّ:

  • الشيك المسحوب والمستحق الوفاء في مصر: يجب تقديمه للوفاء خلال ستة أشهر من تاريخه.

  • الشيك المسحوب في الخارج والمستحق الوفاء في مصر: يجب تقديمه خلال ثمانية أشهر من تاريخه.

وهذا الميعاد هو نقطة الانطلاق التي تُحسب منها جميع آجال التقادم المصرفي اللاحقة، أياً كانت طبيعة العلاقة التي أفضت إلى تحرير الشيك.

ثالثاً: آجال التقادم المصرفي (حسب المادة 531 تجارة)

نصت المادة رقم: (531) من قانون التجارة، بصيغتها المعدلة بالمادة (503 مادة ثانية فقرة ثانية، مادة) القانون رقم: 156 لسنة 2004م (الذي استبدل عبارة "سنة" بعبارة "ستة أشهر" الواردة في البندين 1 و3 منها)، على ثلاثة آجال متمايزة تسري على كل شيك أياً كانت دوافع تحريره:

1.  دعوى رجوع حامل الشيك على الساحب والمظهرين وغيرهم من الملتزمين بدفع قيمته: تتقادم بمضي سنة واحدة من تاريخ تقديمه للوفاء أو من تاريخ انقضاء ميعاد تقديمه.

2.    دعوى حامل الشيك على المسحوب عليه (البنك): تتقادم بمضي ثلاث سنوات من ذات التاريخ.

3.  دعاوى رجوع الملتزمين بعضهم على بعض: تتقادم بمضي سنة واحدة من يوم الوفاء أو من يوم المطالبة القضائية به.

4.  استثناء: يجوز لحامل الشيك، رغم تقادم دعوى المطالبة بقيمته، أن يرجع بدعوى الإثراء بلا سبب على الساحب الذي لم يقدّم مقابل وفاء أصلاً أو قدّمه ثم استرده كله أو بعضه، وكذلك على كل مظهّر تحقق له إثراء غير مشروع؛ وهذه الدعوى الأخيرة تخضع للتقادم العام لا للتقادم المصرفي القصير.

ليثور التساؤل جوهري هاهنا:

هل تختلف هذه الآجال أو طريقة حسابها باختلاف الصفة العملية التي يحملها الشيك في العلاقة بين طرفيه؟

والجواب الحاسم أنّ الآجال الواردة بالنصوص القانونية ذاتها لا تتغير كونها قواعد آمرة، غير أنّ نقطة البداية وسبب المطالبة يتفاوتان تبعاً لصورة الشيك، وهو ما تكشفه الحالات التطبيقية الآتية.

رابعاً: صور تطبيقية شائعة لتحرير الشيك وأثرها على حساب التقادم

1.    الشيك كأداة وفاء فورية

هي الصورة الأصلية للشيك؛ حيث يُحرَّر استيفاءً لدين حالّ الأداء وقت التحرير. كونه بديل عن الأداء النقدي تيسيرًا للمعاملات؛ وهنا يبدأ ميعاد التقديم من تاريخ التحرير مباشرة، دون إشكال يُذكر حول لحظة نشوء الحق أو سببه.

2.    الشيك المؤجل (المسحوب بتاريخ لاحق)

يُحرَّر لتسوية دين مؤجل الاستحقاق، ويحمل تاريخاً لاحقاً لتاريخ تحريره الفعلي. والقاعدة المستقرة أنّ العبرة في حساب ميعاد التقديم والتقادم هي بالتاريخ المدوّن على الشيك لا بتاريخ تحريره الفعلي، عملاً بمبدأ حرية الاتفاق على ميعاد الاستحقاق ضمن ضوابط الأداة المصرفية ذاتها.

3.    الشيك كضمان لالتزام تعاقدي (شيك الضمان)

وهي الصورة الأكثر إثارة للإشكال عملياً؛ إذ يُحرِّر أحد المتعاقدين (كالمقاول) شيكاً بقيمة جزافية لصالح الطرف الآخر (كرب العمل)، توثيقاً لجزاء اتفاقي (شرط جزائي) يستحق عند الإخلال بالتزام معين، كالتأخر في تسليم الأعمال.

وتطبيقاً لمبدأ استقلال الالتزام التعاقدي المتقدم:

  • لا يوقف الاتفاق على عدم تقديم الشيك إلا عند تحقق واقعة الإخلال سريان ميعاد التقديم القانوني، الذي يظل محسوباً من تاريخ الشيك المدوّن.

  • إذا انقضت آجال المادة 531 (سنة على وجه العموم) دون مطالبة مصرفية، سقط الحق في الرجوع المباشر على الشيك، ولو ظل الالتزام العقدي الأصلي (التعويض عن التأخير) قائماً وخاضعاً لتقادمه المستقل.

  • الفارق بين القيمة الاسمية لشيك الضمان وما قد تقضي به المحكمة لاحقاً من تعويض ليس فارقاً شكلياً فحسب، بل مرتبط بسلطة القاضي في تعديل الشرط الجزائي عملاً بالمادة (224 فقرة ثانية) من القانون المدني، التي تجيز له تخفيض التعويض المتفق عليه إذا ثبت أنّ تقديره كان مبالغاً فيه أو أنّ الالتزام الأصلي نُفِّذ في جزء منه.

4.    الشيك المُستخدم كسند إثبات في نزاع قضائي سابق دون أن يكون هو ذاته محل الدعوى

يقع كثيراً أن يُستشهَد بشيك الضمان كدليل إثبات في دعوى مسؤولية عقدية (كدعوى تعويض عن التأخير في التسليم)، دون أن تكون المطالبة القضائية موجهة إلى ذات الشيك بصفته سنداً مستقلاً.

وهنا يجب التمييز بدقة بين سبب دعوى المطالبة (بالالتزام المجرد الناشئ عن الورقة المصرفية) وسبب الدعوى الموضوعية (للإخلال بالالتزام التعاقدي)؛ فرفع الدعوى العقدية لا يقطع تقادم دعوى المطالبة المستقلة عنها، والعكس صحيح، إذ لا يمتد أثر القطع القضائي (المادة 383 مدني) إلا إلى ذات الحق موضوع الإجراء القاطع بنصها: " ينقطع التقادم بالمطالبة القضائية ولو رفعت الدعوى إلى محكمة غير مختصة، وبالتنبيه، وبالحجز، وبالطلب الذي يتقدم به الدائن لقبول حقه في تفليس أو في توزيع، وبأي عمل يقوم به الدائن للتمسك بحقه أثناء السير في إحدى الدعاوى".

خامساً: الأثر الحاسم لصدور حكم قضائي بات على أي دين ناشئ عن شيك

أياً كانت صورة الشيك المتقدمة، فإنّ صدور حكم قضائي بشأن الدين الذي تناوله - ولو استند إلى تقرير خبرة فنية لتحديد مقداره - وحيازته قوة الأمر المقضي، يُحدث أثراً حاسماً بمقتضى المادة رقم: (385) من القانون المدني رقم: 131 لسنة 1948م، التي تنص على أنّ:

إذا انقطع التقادم بدأ تقادم جديد يسري من وقت انتهاء الأثر المترتب على سبب الانقطاع، وتكون مدته هي مدة التقادم الأول. على أنه إذا حكم بالدين وحاز الحكم قوة الأمر المقضي... كانت مدة التقادم الجديد خمس عشرة سنة، إلا أن يكون الدين المحكوم به متضمناً التزامات دورية متجددة لا تستحق الأداء إلا بعد صدور الحكم."

ومؤدى هذا النص، وهو مبدأ مستقر في قضاء محكمة النقض المصرية، أنّ الدين متى أيده حكم قضائي بات، انسلخ عن أجل تقادمه الأصلي القصير - أياً كان مصدره صرفياً أم عقدياً - وأصبح خاضعاً للتقادم الطويل (خمس عشرة سنة) تُحسب من تاريخ صيرورة الحكم باتاً. فالحق - في هذه الحالة - لم يعد يستمد وجوده من الورقة التجارية ذاتها، بل من الحكم الذي حلّ محلها كمصدر مستقل للالتزام.

سادساً: البُعد الجزائي

يبقى للشيك - في جميع صوره - بُعد جزائي مستقل عن تقادمه المدني/المصرفي؛ إذ تنص المادة (337) من قانون العقوبات على تجريم إعطاء شيك لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب بعقوبة النصب، بنصها: " يحكم بهذه العقوبات على كل من أعطى بسوء نية شيكاً لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب أو كان الرصيد أو بعضه بحيث يصبح الباقي لا يفي بقيمة الشيك أو أمر المسحوب عليه الشيك بعدم الدفع"، فضلاً عن الجرائم الخاصة المنصوص عليها في المادة (534) من قانون التجارة. بنصها: " يعاقب كل من ارتكب عمداً أفعالاً تتعلق بإصدار شيكات بدون رصيد بالحبس وبغرامة لا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين".

وتخضع الدعوى الجنائية الناشئة عن ذلك لتقادمها المستقل المقرر في قانون الإجراءات الجنائية، ولا صلة له بآجال التقادم المدني/المصرفي المتقدمة.

خاتمة: الخلاصة التطبيقية

يتضح مما تقدم أنّ حساب التقادم في الشيك يقتضي - أياً كانت صورته - التمييز بين ثلاث طبقات قانونية متتالية قد تتعايش على ذات الواقعة:

1.  الالتزام المصرفي المستقل على الشيك ذاته، الخاضع لتقادم قصير (سنة أو ثلاث سنوات بحسب الخصم) يبدأ من ميعاد تقديمه، بصرف النظر عن الصفة (فوري، مؤجل، ضامن) التي أضفاها عليه أطرافه.

2.  الالتزام الأصلي الذي حرّر الشيك تنفيذاً أو ضماناً له (ثمن، دين، شرط جزائي)، الخاضع لتقادمه العام المستقل، وغير المتأثر - قطعاً أو وقفاً - بمصير الالتزام المصرفي.

3.  الحق المتحوّل بحكم قضائي بات، الذي يكتسب - أياً كان أصل مصدره وأجل تقادمه السابق - أجلاً موحداً مدته خمس عشرة سنة من تاريخ بتات الحكم، عملاً بالمادة (385) مدني.

وبذلك، فإنّ العبرة في تكييف مآل أي شيك بعد مضي زمن عليه ليست بمصير الورقة التجارية وحدها، بل بالسند القانوني الفعلي القائم وقت المطالبة: فإن وُجد حكم قضائي بات، حلّ محل الشيك والعلاقة الأصلية معاً، وأصبح هو - وحده - مصدر الحق ومعيار تقادمه.


,إذا إردت المزيد إضغط هنا




تعليقات


bottom of page