رسومُ العدالةِ الرقميّةِ في مصر: حين تتحوّلُ وسيلةُ التيسيرِ إلى أداةِ تعسيرٍ، ومَخرَجٌ مقترَحٌ عبر بوّابةِ النقابة
تاريخ التحديث: 27 سبتمبر
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وهذه القاعدة القرآنية الكبرى، تختزل فلسفةً عامةً تسري في كل تنظيمٍ يمسّ حقوق الناس: إذ أن الوسيلة التي شُرِعت للتيسير لا يجوز أن تنقلب أداةً للتعسير، وإلا انتكس المقصد وانقلب على صاحبه.
الرابط الفقهي الجامع
ينقسم المقال إلى محاور عدة يجمعها خيطٌ فقهيٌّ وقانونيٌّ واحد: أن رقمنة العمل القضائي في مصر، وهي في أصلها وسيلةٌ لتفعيل الالتزام الدستوري بتقريب جهات التقاضي، وتوفير المعلومات القانونية للمواطنين؛ قد أفرزت – بفعل تعدد الرسوم والاشتراكات المفروضة على الاطلاع على النصوص والسوابق والنماذج الإجرائية – عبئاً مالياً متجدداً يقع بصفة أساسية على كاهل المحامي قبل أن ينعكس على أتعابه، ثم على موكله في نهاية المطاف.
وإذا كانت المعرفة القانونية بموادها وأحكامها ملكاً للشعب بنص الدستور، فإن حجبها خلف جدارٍ من الاشتراكات المتعددة المنفصلة يمثل انحرافاً عن المقصد الدستوري ذاته الذي قامت الرقمنة لتحقيقه.
المحور الأول: تشخيص الإشكالية – ازدواجُ الأعباء المالية لمرحلة ما قبل التقاضي
يجب التمييز ابتداءً بين مستويين من الأعباء المالية التي أفرزها التحول الرقمي: فمحلّ عناية هذا المقال تحديداً – رسومٌ واشتراكاتٌ منفصلة تُفرَض لا على مباشرة الدعوى، بل على العمل التحضيري السابق عليها: البحث في النصوص القانونية، والاطلاع على السوابق القضائية، والحصول على نماذج الصحف، والعرائض، والأوامر والطلبات.
فقد أصبح الاطلاع على قواعد بيانات كلٍّ من محكمة النقض، ومجلس الدولة (عبر بوابة الفتاوى والأحكام) من ناحية، والنيابة العامة من ناحية أخرى، مشروطاً باشتراكاتٍ مالية سنوية منفصلة، تتكرر تكلفتها بتكرر الجهات، رغم وحدة الغاية منها وهي تمكين المحامي من أداء رسالته الدستورية في الدفاع.
ومما يزيد الإشكال حدةً أن هذا التوسع الرقمي يتزامن مع دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م حيّز التطبيق اعتباراً من الأول من أكتوبر 2026م، بالتوازي مع توسع وزارة العدل في منظومة التقاضي عن بُعد وإطلاق منصة رقمية لخدمات المحامين، بما يعني اتساع رقعة الاعتماد الإلزامي على هذه القواعد الرقمية في وقتٍ لم تُحسم فيه بعد إشكالية تمويل الوصول إليها.
المحور الثاني: التكييف الدستوري للإشكالية
لا يجوز أن يُنظر إلى هذه الإشكالية بوصفها مسألة تنظيمية بحتة، بل هي في جوهرها مسألة دستورية بامتياز، تتقاطع فيها ثلاثة نصوص:
١. المادة (97) من الدستور، ونصها: "التقاضي حق مصون ومكفول للكافة. وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضي، وتعمل على سرعة الفصل في القضايا، ويحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، ولا يحاكم شخص إلا أمام قاضيه الطبيعي، والمحاكم الاستثنائية محظورة."
٢. المادة (98) من الدستور، ونصها: "حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول. واستقلال المحاماة وحماية حقوقها ضمان لكفالة حق الدفاع."
٣. المادة (68) من الدستور، وهي حجر الزاوية في هذا التحليل، ونصها أن المعلومات والبيانات والوثائق الرسمية "ملك للشعب"، وأن الدولة تلتزم بالإفصاح عنها وإتاحتها للمواطنين بشفافية.
فإذا كانت النصوص القانونية والمبادئ المستقرة في الأحكام القضائية تُعدّ – بلا خلافٍ – من الوثائق الرسمية للدولة، فإن حجبها عن المحامين والباحثين إلا بمقابلٍ مالي متعدد الجهات يثير تساؤلاً جوهرياً حول مدى مطابقته للمادة (68) سالفة الذكر.
ليثور التساؤل هنا: كيف يستقيم القول بأن الدولة قد "قرّبت جهات التقاضي" في حين أن أدوات إعداد الدعوى ذاتها – لا الدعوى في حد ذاتها – قد باتت حبيسة اشتراكاتٍ ماليةٍ منفصلة، متعددة، تتكرر بتكرر كل جهة قضائية على حدة؟
والجواب على هذا التساؤل ليس نظرياً محضاً، بل استقرّ في قضاءٍ صريح: ففي الدعوى رقم 63089 لسنة 66 قضائية، بجلسة 24 يونيو 2014م، قضت محكمة القضاء الإداري بإلزام هيئة المطابع الأميرية بإتاحة أعداد الجريدة الرسمية وملحقها "الوقائع المصرية" على موقعها الإلكتروني للاطلاع المجاني، تأسيساً على أن التشريعات المنشورة فيها تُعدّ من الوثائق الرسمية المملوكة للشعب بنص المادة (68)، وأن اشتراط الاشتراك المالي للاطلاع على محتواها لا سند له إذا لم يصدر بعدُ قانونٌ خاصٌّ ينظّم ضوابط هذا الحق.
وهذا التكييف القضائي – وإن ورد في سياق الجريدة الرسمية تحديداً – يصلح أساساً منطقياً للقياس عليه فيما يخص قواعد بيانات الأحكام والسوابق القضائية ذاتها، باعتبارها من ذات طبيعة "الوثيقة الرسمية".
المحور الثالث: سابقةٌ نقابيةٌ قائمة تصلح أساساً للتعميم
الملفت أن الحل المقترح في هذا المقال ليس ابتكاراً نظرياً، بل له سابقةٌ فعلية سبق أن جرّبتها نقابة المحامين المصرية بنجاح جزئي: فقد أعلنت النقابة عن فتح باب تلقي اشتراكات المحامين في موقع محكمة النقض بقيمة مخفضة ومدعومة اعتباراً من سبتمبر 2023م، عبر استمارة تُسلَّم للنقابة الفرعية، ويُسدَّد الاشتراك من خلال النقابة العامة والفرعية، مع توفير قناة تواصل رسمية لتسليم بيانات الدخول لكل محامٍ.
هذه التجربة تثبت من الناحية العملية أن التفاوض الجماعي عبر كيان النقابة – بثقلها التمثيلي لعموم المحامين – قادرٌ على تخفيض كلفة الاشتراك الفردي إلى حدٍّ بعيد قياساً بما كان سيتحمّله كل محامٍ منفرداً. غير أن هذه التجربة ظلت مقصورة على قاعدة بيانات محكمة النقض وحدها، ولم تمتد إلى بقية الجهات القضائية التي لا تقل أهميةً عملية، وعلى رأسها مجلس الدولة (عبر بوابته الخاصة بالفتاوى والأحكام) والنيابة العامة والمحكمة الاقتصادية والمحكمة الدستورية العليا.
المحور الرابع: المشهد الراهن – تصعيدٌ نقابيٌّ وبرلمانيٌّ يؤكد نضج المطلب
لم تعد هذه الإشكالية مجرد شكوى فردية متفرقة، بل تحولت إلى موقفٍ نقابيٍّ وبرلمانيٍّ معلن خلال الأسابيع الأخيرة. فقد أكّد أحد أعضاء مجلس نقابة المحامين أن الرسوم المفروضة على التقاضي الإلكتروني تخالف الدستور والقانون في تقديره، وأن نقابة المحامين لم تطلب ولم توافق على ما وصفه باستكمال مسلسل الرسوم، فيما أكّد عضوٌ آخر بالمجلس رفضه الصريح للطرح القائل بأن النقابة طلبت تطبيق التقاضي الجنائي عن بعد بمقابلٍ مادي، نافياً أن يكون مجلس النقابة العامة قد طلب تطبيق هذه المنظومة على هذا النحو.
وعلى المستوى التشريعي، تقدّم أحد أعضاء مجلس النواب بسؤالٍ برلمانيٍّ موجَّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل بشأن رسوم التقاضي عن بُعد وأثرها على الحق في التقاضي وحق الدفاع.
ولا مندوحة من التساؤل هنا: إذا كانت النقابة نفسها – بحسب تصريحات أعضاء مجلسها – لم تطلب هذه المنظومة على هذا النحو المكلِّف، أفلا يكون الأجدى أن تبادر بنفسها إلى تصميم البديل، بدلاً من الاكتفاء بموقف الرفض السلبي؟ فالاعتراض على العبء المالي القائم لا يغني عن اقتراح آلية بديلة تحقق ذات الغاية (تيسير الوصول إلى المعرفة القانونية) بأدنى تكلفة ممكنة.
المحور الخامس: التصوّر المقترَح – الأصلُ أولاً، ثم الاجتهادُ النقابي عند التقاعس
لا يستقيم عرض أي مقترحٍ نقابيٍّ بديل قبل تقرير الأصل الذي ينبغي أن يُبنى عليه هذا البديل ويُقاس إليه: فإتاحة القوانين والسوابق القضائية مجاناً على المواقع الإلكترونية الرسمية للجهات القضائية ذاتها ليست تفضّلاً أو مِنّةً تُطلب؛ بل هي الأصل الواجب النفاذ من تلقاء ذاته، إعمالاً لصريح المادة (68) من الدستور التي جعلت من الوثائق الرسمية ملكاً للشعب، وتطبيقاً لما استقرّ عليه قضاء محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم: 63089 لسنة 66 قضائية، بجلسة 24/6/2014، من أن حجب النصوص التشريعية والوثائق الرسمية إلا بمقابلٍ مالي لا سند له، وأن هذا الإلزام نافذٌ بذاته دون حاجةٍ لانتظار تشريعٍ منظِّم، وهو ما يصلح – كما سبق بيانه – أساساً للقياس عليه بشأن قواعد بيانات الأحكام والسوابق القضائية.
وبناءً على هذا الأصل، يُقترح تدرّج المطالب على النحو الآتي:
أولاً – على سبيل الأصالة: أن تبادر كلٌّ من محكمة النقض ومجلس الدولة والنيابة العامة والمحكمة الدستورية العليا والمحكمة الاقتصادية، كلٌّ في نطاق اختصاصها، إلى إتاحة نصوص القوانين والمبادئ القضائية المستقرة على مواقعها الإلكترونية الرسمية مجاناً وبلا اشتراط أي اشتراكٍ مالي، تفعيلاً مباشراً للمادة (68) من الدستور، وقياساً على ما قضت به محكمة القضاء الإداري بشأن الجريدة الرسمية.
وهذا هو الحل الأمثل من حيث المبدأ، إذ يعالج الإشكالية من جذرها لا من أعراضها، ولا يستلزم وسيطاً بين الجهة القضائية والمحامي.
ثانياً – وعلى سبيل الاحتياط الأول، وفي حال تقاعست الجهات القضائية عن تفعيل هذا الأصل أو تأخّر تفعيله: أن تتولى نقابة المحامين العامة – كاجتهادٍ تكميليٍّ لا بديلٍ عن الأصل سالف الذكر – التفاوض الجماعي مع هذه الجهات لتوحيد بوابات الاطلاع ضمن منصةٍ واحدة تُستضاف على موقع النقابة، يُتاح الدخول إليها لكل محامٍ مقيَّد بحسابٍ موحّد، مقابل اشتراكٍ سنويٍّ رمزي واحد يحل محل الاشتراكات المنفصلة المتعددة، يُموَّل الفارق فيه – إن وُجد – من خلال تخصيص نسبةٍ محدودة من رسوم القيد والاشتراك النقابي القائمة أصلاً.
ثالثاً – وعلى سبيل الاحتياط الثاني، عند تعذّر توحيد جميع القواعد فنياً دفعةً واحدة: أن يُعمَّم النموذج الذي سبق تطبيقه بنجاح مع محكمة النقض عام 2023م على بقية الجهات القضائية تباعاً، بتفاوضٍ جماعي منفصل مع كل جهة، وقناة دفعٍ وتفعيلٍ موحّدة عبر موقع النقابة.
رابعاً: وخدمة لشباب المحامين أن تُتاح نماذج الصحف والعرائض وطلبات الأوامر على الأداء والأوامر على العرائض مجاناً بالكامل ضمن أي من البوابتين (الحكومية أو النقابية)، دون حاجةٍ لانتظار أي تفاوض، لعدم قيام أي مبررٍ تقني أو قانوني لتقييد الوصول إليها من الأساس.
خامساً: أن يُستحدَث بمجلس النقابة العامة تكليفٌ دائمٌ بمتابعة مستجدات الرقمنة القضائية والمبادرة بمخاطبة الجهات القضائية بشأن تفعيل الأصل الوارد في البند "أولاً" أولاً بأول، قبل اللجوء إلى الاجتهاد الاحتياطي الوارد في البندين "ثانياً" و "ثالثاً".
المصادر والمراجع
إذا إردت المزيد إضغط هنا





تعليقات