هوية المحاماة في عصر الذكاء الاصطناعي | أناقة مُخدِّرة وتوقيع تُحاسَب عليه: الزم قاعدة التَبَيُّنْ الثلاثية للنصوص المُوَلَّدة بالذكاء الاصطناعي تَسْلَمْ
الجزء الثاني من سلسلة: هوية المحاماة في عصر الذكاء الاصطناعي — يُقرأ بعد مقال: الثاني: استعادة الهوية: خارطة عملية للمحامي لتبقى المهنة بشريّةً في زمن الآلة

في مطلع مايو 2025م، جلس قاضٍ متقاعد يعمل مشرفاً قضائياً خاصاً في محكمة اتحادية بولاية كاليفورنيا، يقرأ مذكرة قدّمها محامو المدّعية في نزاعها مع شركة تأمين. واقتنع القاضي بما ساقته المذكرة من أحكام، بل استوقفته حتى مضى يطلب نصوصها ليزداد بها علماً، فإذا بها لا وجود لها. وقد اعترف لاحقاً بأنه ظنّها حقيقية أول الأمر، وأوشك أن يُدرجها في قراره. وكتب في أمره ما معناه أن استعانة المدّعية بالذكاء الاصطناعي قد ضلّلته.
لم تكن تلك المذكرة ركيكة المبنى ولا هزيلة الحجة، بل بلغت من الإتقان ما خدع قارئاً خبيراً. وانتهى الأمر بغرامة قدرها 31,100 دولار على مكتبين كبيرين، وإسقاط المذكرتين، ورفض الطلب الذي قُدّمتا لأجله.
وليست هذه القصة طرفةً من طرائف التقنية، فهي متوقع حدوثها على كل من يضع توقيعه تحت نصٍّ لم يخطّه بيده. وفي هذا المقال نقرأ القاعدة الثلاثية التي ينبغي ألا يُوقَّع مستندٌ قبل اجتيازها، ونستعرض لكل ضابط من ضوابطها واقعةً موثّقة.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
مقدمة
أرشدنا التنزيل الحكيم إلى أن التبيّن مقدَّم على القبول، وأن الخبر لا يُعتمد لمجرد ثقة لفظه. وهذا المعنى يغيب عن كثير من المشتغلين بالقانون حين تقع بين أيديهم مسودة أنتجتها أدوات الذكاء التوليدي: لغة رصينة، وبناء متماسك، ونبرة واثقة لا تعرف التردد.
وهنا مكمن الخطر. فأخطر لحظة في الاستعانة بالذكاء التوليدي في الصياغة ليست لحظة الكتابة، بل اللحظة التي تقرأ فيها مسودةً تبدو ممتازة. فالصياغة الأنيقة تُخدِّر الحس النقدي، ونحن نميل بطبعنا إلى افتراض أن ما يُكتب بثقة فهو صحيح.
ليثور التساؤل
كيف نحتفظ بالفائدة الحقيقية لهذه الأدوات دون أن نقع في أسر أناقتها؟
والجواب في قاعدة التبيّن الثلاثية، وهي قاعدة صارمة لا تُترك في أي مرة تتعامل فيها مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتتمثل في ثلاث ضوابط يجب أن تزن بها مخرجاته؛ وهي:
أولاً: ضابط الدقة
وينبني على السؤال الذي يُطرح على كل ادعاء قانوني في المسودة: هل هو صحيح في اختصاصك القضائي؟
فالنص الذي يصحّ في تشريع قد لا يصحّ في آخر، والمادة المنسوبة إلى قانون قد تكون معدَّلة أو ملغاة أو غير موجودة أصلاً. وكل نص يُقابَل على مصدره الرسمي، وكل سابقة يُتحقق من وجودها ومن مبدئها، ولا يُقبل شيء من ذلك على سبيل التقريب.
واقعة موثّقة: في 22 يونيو 2023 أصدر القاضي كيفن كاستل أمراً بعقوبات على محاميين ومكتبهما في نيويورك، في قضية ماتا ضد شركة أفيانكا، بغرامة قدرها 5,000 دولار، وألزمهم بإخطار القضاة الحقيقيين الذين وردت أسماؤهم في الأحكام المختلقة. وكانت المذكرة قد تضمنت ستة أحكام على الأقل وصفها القاضي بأنها قرارات قضائية وهمية بما فيها من اقتباسات واستشهادات داخلية مختلقة. وقد انكشف الأمر حين عجز محامو الشركة عن العثور على تلك الأحكام.
ثانياً: ضابط الملاءمة
والسؤال هنا: هل يخدم هذا النص استراتيجية عميلك تحديداً، أم أنه كلام عام يصلح لأي أحد؟
قد تخلو المسودة من الأخطاء وتبقى مع ذلك عديمة النفع، إذ لا تتصل بوقائع الدعوى، ولا تراعي موضع الخصومة الإجرائي، ولا تنسجم مع الخط الذي رسمتَه للدفاع. وأوضح صور ذلك أن يُساق استشهادٌ لا يسند الحجة التي سيق من أجلها.
واقعة موثّقة: وحرياً بنا أن نتساءل: ماذا يجدي الاستشهاد إذا لم يقل ما نُسب إليه؟ في القضية ذاتها، بيّن القاضي أن الأحكام التي استشهد بها أحد تلك القرارات المختلقة وردت بأسماء وبيانات صحيحة، لكنها لا تتضمن النص المقتبس ولا تسند المسألة التي سيقت لها. فصحة الاسم والبيانات لا تغني عن موافقة المضمون للمقصود.
ثالثاً: ضابط نبرة الصياغة
والسؤال الأخير: هل هذا أسلوبك المهني، أم نبرة آلية مصقولة؟
لكل ممارس بصمته في البناء والحجاج وانتقاء العبارة. فالمسودة التي تخرج عن أسلوبك لم تمرّ بيدك، ومن لم تمرّ بيده لم يحط بما فيها. فإن لم يعرف قارئها صاحبها من أسلوبها، أُعيدت صياغتها حتى تعود إليه.
واقعة موثّقة: في قضية لاسي ضد شركة ستيت فارم، ولّد محامو أحد المكتبين بأداة ذكاء اصطناعي «مخططاً» لمذكرة تكميلية فيه استشهادات مختلقة، ثم أرسلوه إلى مكتب آخر شريك في الدعوى، فأدرجه في المذكرة. وذُكر أن محامي المكتب الثاني لم يكونوا يعلمون أن في المخطط بحثاً مولَّداً بالذكاء الاصطناعي. ولما نبّههم المشرف القضائي إلى الخلل، حذفوا المادة المختلقة وقدّموا مذكرة منقّحة بقيت فيها نحو ستة أخطاء من النوع ذاته. فمذكرةٌ حملت توقيعاً لم يعرف أصحابه أصلَها.
المسؤولية لا تُفوَّض
حيث يبقى الأصل الذي تقوم عليه المهنة: المستند الذي يحمل توقيعك يحمل مسؤوليتك، كاملةً غير منقوصة. ولا مكان في ساحات القضاء لعبارة «لكن الذكاء الاصطناعي قال.....». فالأداة تُسرِّع العمل، أما التبيّن فتبعته على من وقّع.
خاتمة
لنجعل من هذه القاعدة الثلاثية منهجاً ثابتاً في عملنا: دقةٌ تُراجَع على المصادر، وملاءمةٌ تُوزَن بميزان القضية، وصياغة بنبرةٌ مهنية لا تُخطئها العين.
فإن كنت صاحب قضية أو منازعة، أو أردتَ مذكرة أو دفعاً أو استشارة تُصاغ بعناية وتُدقَّق قبل أن تصل إلى المحكمة، فلا تتردد في التواصل معنا، لنضع خبرتنا بين يديك، ويكون ما يصدر باسمك محكماً مبنياً على التثبّت لا على الظن.
________________
المراجع
Mata v. Avianca, Inc., No. 1:22-cv-01461 (PKC), 678 F. Supp. 3d 443 (S.D.N.Y. June 22, 2023).
Lacey v. State Farm General Insurance Co., No. 2:24-cv-05205-FMO-MAA (C.D. Cal. May 2025)
فكرة القاعدة الثلاثية للتحوط من استخدامات الذكاء الاصطناعي؛ مستوحاة من أحد الدروس بدورة "مدخل إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي للقانونيين" منصة: برو ديجيتال ليجال.
للاطلاع على القضايا - محل الاستشهاد - إضغط على كلمة واقعة موثقة الواردة ببداية بكل فقرة.
إذا إردت المزيد إضغط هنا






تعليقات