top of page

المحامون | وفخ استدراجهم بخدعة الذكاء الاصطناعي

تاريخ التحديث: قبل 11 ساعة

هل يوقّع المحامون على شهادة وفاة رسالتهم بأيديهم حين تسُلب منهم مَلَكَات المحاماة لحساب الذكاء الاصطناعي؟

قال الله جل وعلا:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا[الإسراء: ٣٦]. لم تكن هذه الآية، حين نزلت، خطاباً موجَّهاً إلى صنعة بعينها، غير أنها تحمل في طيّها معنىً لا يخطئه ناظر إلى واقع مهنة المحاماة اليوم: أنّ التّبعة لا تُرفع عن الإنسان بمجرد أنّ غيره —سواء كان آلةً أم إنساناً—تولّى عنه الاستماع والنظر والحكم.


والثابت من تتبّع مسار هذه المهنة العريقة أنّ خيطاً واحداً يجمع بين أزماتها المتعاقبة، من عصر الكاتب العدل إلى عصر الطباعة؛ فالبحث الإلكتروني: أنّ الأداة لا تُهدّد الصنعة بذاتها، وإنما يُهدّدها استسلام صاحبها لها عن وعي أو غفلة.

وهذا هو عين الفخ الذي نحن بصدد الكشف عن آليته.

كيف بدأ الاستدراج — من "المساعدة" إلى "الإنابة"

ومن الثابت تاريخيًا أنّ: كل أداة تدخل مرفقاً مهنياً تمرّ بثلاث مراحل: مرحلة العون، فمرحلة التعويد، فمرحلة الإحلال. ولم يشذّ الذكاء الاصطناعي عن هذا المسار، بل سلكه بخطى أسرع مما سلكته أي أداة سبقته.


في مرحلة العون، اقتصر دوره على تسريع البحث عن نصّ أو سابقة، ولم يكن ثمة ما يُخشى منه. أما حين انتقل إلى مرحلة التعويد، فقد بدأ المحامي — دون أن يشعر— يستبدل بقراءته المتأنية للوقائع والمستندات قراءةً سريعة لملخّص آليّ، وبتحليله الشخصي للنص القانوني اجتراراً لتحليل جاهز.

ومن ثمّ، لم تعد المسألة مسألة توفير للوقت، بل مسألة تآكل تدريجي في ملَكة القراءة التحليلية ذاتها، وهي الملَكة التي بها يميّز الفقيه بين الظاهر والمقصود، وبين المستقر والمردود.

فقدان الحِس — حين تُكتب المذكرة دون تَفكُر

وأمام هذا المعطى، يحق لنا أن نتساءل: ما قيمة توقيع محامٍ على مذكرة لم تعبر منطقه قبل أن تعبر يديه؟ ذلك أنّ الصياغة القانونية ليست تنضيداً لعبارات مأثورة، بل هي عملية استدلال حيّة، ينتقل فيها الذهن من الواقعة إلى تكييفها، ومن التكييف إلى السند، ومن السند إلى الأثر.

فإذا أُنيبت الآلة في هذا الانتقال كله، ولم يبقَ للمحامي إلا فعل "القبول" أو "الرفض" على مخرجاتها، فقد تحوّل من صائغ للحجة إلى مدقّق لنص لا يملك ناصيته.

وهذا ليس افتراضاً نظرياً؛ فقد سجّلت محكمة مقاطعة نيويورك الجنوبية وأخرى بالمحاكم الإماراتية، إذ استندا في مذكرتهما إلى سوابق قضائية اختلقها نظام ذكاء اصطناعي اختلاقاً تاماً، فمرّت دون تمحيص لأنّ الملكة النقدية التي كان يُفترض أن تُغربلها كانت قد استُؤجرت هي الأخرى لحساب الآلة ذاتها.

من "المساعد" إلى "صاحب القرار الفعلي" — تبعية العميل

فمن ناحية، يظنّ الموكل أنه يستأجر خبرة المحامي وحصافته؛ ومن ناحية أخرى، يجد نفسه —دون علم منه غالباً—مستفيداً من مخرجات نظام آلي لم يُراجَع بذات العمق الذي كان يُفترض.

وهذا انقلاب خطير في طبيعة العلاقة التعاقدية بين الوكيل وموكّله، ذلك أنّ محلّ العقد هو "الرأي القانوني المؤتمن"، لا الوساطة في نقل مخرجات نظام متاح للموكل نفسه أن يستخدمه مباشرة دون وسيط.

وإزاء ما سلف، يثور تساؤل جوهري مؤداه:

إذا كان بمقدور العميل أن يحصل على المخرج ذاته دون أجر المحاماة، فأين تكمن القيمة المضافة التي بها استحقّ المحامي أتعابه؟ 

والجواب الوحيد الذي يحفظ للمهنة كرامتها هو في الحكم الإنساني الذي لا تنتجه الآلة، وفي المسؤولية الأخلاقية التي لا تحملها خوارزمية.

الرسالة لا الحرفة — ماذا سيتبقّى حين تغيب المَلَكَة؟

لا مِرية في أنّ المحاماة، في أصلها التاريخي، رسالة قبل أن تكون حرفة؛ فهي —كما استقرّ في وجدان الفقهاء والقضاة على حدٍّ سواء— عين مسلَّطة على العدالة، ولسان ناطق باسم الضعيف أمام سلطان القانون.

فإذا تجرّد المحامي من ملكتي القراءة والتحليل، وأصبح ناقلاً لا مجتهداً، ومُوقِّعاً لا صائغاً، فقد سقطت عنه صفة "المؤتمَن على الرسالة"، ولم يبقَ له من صفاته إلا اسم المهنة دون جوهرها.

وأمام هذا المعطى، يحق لنا أن نتساءل من جديد:

أيّ عدالة تُرتجى من محامٍ عاجز عن أن يميّز بين حجة صحيحة وأخرى مُختلَقة، لأنه فوّض إلى الآلة حتى ملكة التمييز ذاتها؟

مصير المهنة إن لم يتمسّك أهلها بتطوير ذواتهم

وترتيباً على ما تقدّم، فإنّ المشهد المرتقَب لمن يستسلم لهذا الاستدراج لا يخرج عن أحد مسارين:

إما ذوبان تدريجي في طبقة "منفّذين قانونيين" لا يُميَّزون عن أي مستخدم عادي للتقنية، تُغنيهم عنه الأداة نفسها في كثير من الأعمال الروتينية، فينحسر دورهم إلى هامش ضيّق من التوقيع الشكلي.


عندما يخطئ القلم فيبوح بالحقيقة
عندما يخطئ القلم فيبوح بالحقيقة

وإما المسار الأخطر، بقاء شكلي في المهنة مع فراغ جوهري في الكفاءة، بحيث يُصدر المحامي رأياً لا يقف وراءه فهم، ومذكرة لا تسندها قراءة، فتنكشف هشاشته أمام أول اختبار حقيقي يتمثل قي: استجواب قاضٍ، أو مواجهة خصم متمكّن، أو سؤال عميل دقيق لا تجيب عنه الآلة بذاتها.


وخلاصة القول فيما تقدّم أنّ الخطر ليس في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في غياب الوعي الذي يُبقي الإنسان سيّداً على أدواته لا تابعاً لها.


بين الاستسلام والرفض، طريق ثالث

وتأسيساً على كل ما تقدّم، فإنّ الموقف الرشيد ليس في مقاطعة هذه الأداة نكوصاً، فذلك تعطيل لوسيلة مشروعة قد تُعين على البحث والتوثيق والتنظيم؛ وليس في الاستسلام لها تسليماً، فذلك تفريط في جوهر الرسالة.

بل في مسلك ثالث يجمع بين تعميق المَلَكَة الإنسانية الأصيلة— بالقراءة المتأنية، والتحليل الناقد، والحس الحجاجي المُوقَّع— وبين إتقان الأداة التقنية إتقان مَن يستخدمها ولا تستخدمه.


فالمحامي الذي يقرأ الحكم بنفسه قبل أن يسأل عنه، ويصوغ الحجة بذهنه قبل أن يُراجعها آلياً، ويُخضع كل مخرج تقني لميزان خبرته الشخصية، هو وحده مَن يحفظ لمهنته معناها ولرسالته بقاءها في زمنٍ باتت فيه الأداة رخيصة الثمن، وبات الحكم الرشيد وحده هو الثروة الحقيقية.


,إذا إردت المزيد إضغط هنا




_______________

سلسلة مقالات عن هوية المحاماة في عصر الذكاء الاصطناعي: من فكرتي وإعدادي ثم تكليف الذكاء الاصطناعي بالكتابة وتنقيحها بوجداني ولمسة صياغتي البشرية، لانارة الطريق أمام الزملاء (محامون - قانونيون) لعدم الاستسلام للآلة واستغلال أفضل ما لديها دون تفريط في الهوية والرسالة.

تعليقات


bottom of page